قراءة في حضور الزّي في حركات فنون أسايس

11/10/2012 - 18:56 طباعة

ذ. ابراهيم أوبلا، أدرار بريس

لقد رأينا أنّ أهمّ خصائص الحركة هي تناغمها مع الزّي في فنون أسايس، ولعلّ هذا الحضور هو الذي يعطي للحركة في كل نموذج من نماذج هذه الفنون الأبهة والتميّز بحكم أنّ لكل منطقة أزياؤها أو على الأقل طريقتها في التعامل مع الأزياء، ويمكن أن نستحضر هنا الدّور الكبير الذي تلعبه المؤثرات المناخية والطبيعية بل وحتّى الدّينية والتثاقفية فيما يرتديه سكّان كلّ منطقة، وفي فضاء أسايس تتجلّى لنا هذه التميّزات والاختلافات، فإذا أمكننا القول بأنّ تعلّق الفنّان الأمازيغي بالزّي قد تطوّر منذ القديم وارتبط بمختلف أنماط التثاقف التي حدثت في كل جهة من الجهات، فإنّ ما أفرزته الإثنوغرافيا الميدانية يدلّ على أنّ فضاء فنون أسايس يحتوي على فسيفساء من الأزياء حاولت كلّ جهة أن تضفي على أزيائها ما يجعلها جذّابة لدى الجمهور والزّائرين. وسوف نتعرّض بالتفصيل لخصوصيات كل منطقة حسب الفنون السائدة فيها حينما ننتقل إلى الباب الثاني، على أنّ أهمّ ما سأركّز عليه هو العلاقة الوطيدة بين نماذج من الأزياء بفنون أسايس على ضوء ما تمّ رصده في هذا الفضاء…

3-1: الزّي كشرط أساسي للدخول غلى فضاء أسايس:

من أهمّ المئاخذ الذي يلاحظها النّاقد الشعبي على الممارس لفنّ أحواش وأحيدوس عدم الالتزام بالزّي التقليديّ المألوف، هذا الزّي الذي يعطيه الممارسون المتمتّعون بالحسّ الفنّي أهمية بالغة، ، ومن أهمّ ما لاحظته في هذا الفضاء الفنّيّ :

أ- في كلّ منطقة سوف نجد شخصا مرموقا يعهد إليه بمراقبة مدى التزام الممارس أو الممارسة بهذا الزّيّ وغالبا ما يكون هذا الشخص هو رئيس الفرقة وقد يكون أيّ شخص آخر عهد إليه بذلك، ففي أواسط الأطلس الصغير كان هذا الشخص هو “أنفلوس ن ؤسايس” الذي يراقب الممارسين قبل التحاقهم بميدان الأداء بل قد نجد بعض المناطق تفرض ضعيرة على من يخالف هذا التقليد.

ب- نلاحظ كذلك أنّ الأمّ أو من تنوب عنها غالبا ما تعطي أهمّية كبيرة لتأهيل ابنتها من حيث الزّيّ قبل أن تخرج إلى هذا الفضاء الفنّي، وقد تتبعها حتّى بعد خروجها إلى أسايس لكي تسوّي لها ما لم تتمّ تسويته في الزّي، ولا تجد أية غضاضة في أن تتقدّم أمام الجمهور لكي تقوم بهذا الدور.

جـ- لوحظ بعد ظهور الفرق الاحترافية أنّ هذا الزّي أصبح أداة التمييز حتّى بين الفرق التي تؤدّي نفس النمط من الفنون، غير أنّ التجرّأ على الزّي التقليدي المعهود واستبدال بعض أجزائه بإبداعات جديدة نال القسط الكبير من النّقد السلبيّ لدى عشّاق أحواش وأحيدوس، ومن بين الفرق التي نالت القسط الأكبر من هذا النقد فرقة باني لفنّ أهناقار وهي فرقة من طاطا جابت المدن والقبائل بصنوف من الألوان البعيدة كل البعد عمّا هو مألوف في فضاءات أسايس، وهي في الحقيقة فرقة استعراضية تتناغم مع جمهورها وعشاقها بهذا النموذج من الزّيّ..

د- إن بعض أصناف فنون أسايس أو مكملاتها قد لا تتطلّب زيّا متميّزا، ففنّ “درست” بطاطا يكفي أن يرتدي ممارسوه زيّا نظيفا ولو كانوا مختلفين في ما لبسوه لأنّ الهدف الأساسي في هذا الفنّ هو الحوار الشعري قبل كلّ شيء، أما فنّ تاماووشت فلا يتطلّب أي زيّ متميّز يذكر بحكم فضائه الذي يكون إما فضاء العمل الزراعي أو فضاء الليل الدامس، امّا فنّ تازرارت فهو كذلك قد لا يحتاج إلى زيّ متميّز في بعض فضاءاته كما هو الحال أثناء استقبال الضيوف..

 3-2: بعض أصناف الأزياء:

* أولا بالنسبة للرجال: يغلب الجلباب الأبيض التقليدي الذي تطوّر عن رداء أبرنوس القديم لدى ئمازيغن على جميع أزياء الممارسين من الرجال في مناطق أحواش وأحيدوس، وهذا الجلباب يكون عادة مرفوقا كلباس داخلي ب “تشامير” وبالحذاء المغربي التقليدي “أدوكو” وبالخابوس أو الخنجر المغربي “لكُمّييت” وبالعمامة البيضاء غالبا، ولكنّ بعض الفرق حاولت أن تبدع وتغيّر بعض هذه الأجزاء الرئيسية، وقد حلّ رداء “أدراع” مكان الجلباب لدى بعض فرق مناطق الجنوب كفرقة “تاكموت” وفرقة “تارحّالت”، وفي مناطق أهيّاض الشمالية نجد الفرق تكتفي ب “تشامير” الأبيض، كما حلّت العمامة الصفراء “أشرقاويي” مكان العمامة البيضاء لدى الفرق الجبلية في وسط الأطلس الصغير في حين حلّت العمامة السوداء “أفروال” محلّها في منطقة طاطا، كما حلّ الحذاء الجبلي السوسي “تافراوت” مكان الحذاء التقليدي الشمالي في جلّ مناطق الأطلس الصغير، وهناك فرقة واحدة تتمنطق بالحزام الأحمر وهي فرقة “تاسكيوين” إضافة إلى القرن الذي يضعه ممارسوا هذا الفنّ على الكتف بحكم أن رقصتهم حربية محضة، أمّا بالنسبة ل “الخابوس” الذي يضعه الفنّان في الجانب الأيسر، فقد أبدع الأمازيغ منه أشكالا متنوّعة من حيث اللمسات الفنّية لكنّها من حيث الشكل العام متشابهة…

* ثانيا بالنّسبة للنّساء: عند النّساء يمكن الحديث عن سيل عرم من أشكال الزّي، وفي أغلب المناطق نجد اللحاف الأبيض “أحايك” هو السائد ويكون مرفوقا بالعديد من الأجزاء أهمّها:

+ حزام “تاسمرت” وهو حزام أحمر مخطط بخيوط سوداء

+ الحذاء “أدوكو” ويكون إمّا من النوع المزركش أو الأحمر العادي

+ كلباس داخلي يرفق بالقفطان المغربي أو نوع من أنواع “تشامير” خاصّ بالنّساء،

+ الحليّ المختلفة المصنوعة إما من العقيق أو الفضّة، والتي ختلف فيها المناطق..

+ أصناف من الخمار توضع على الرأس وهي إما سوداء أو ملونة، سوى أنّ بعض المناطق قد تلفّ فيها الممارسة نصف جسدها الأعلى بخمار “أنتال” وتغطّي وجهها، كما في مناطق أيت عبلا مثلا، وقد أدركت فتيات تيزكَي وتيزغت بإسافّن يغطين وجوههنّ بخمار أسود أثناء الأداء الفنّي

ولكنّ بعض الفرق الفنّية للنساء قد نجد لديها تشكيلات مختلفة من الزّي حسب تأثيرات سوف نشير إليها في حينها، كما سيتّضح في فرق “تيسينت” و “ئمي نتانوت” و”قلعة مكونة” وغيرها من الفرق الفنّية المشهورة…

بقي أن أشير إلى أنّ طابعا خاصّا ينطلي على زيّ العروس في مختلف مناطق سوس والأطلس الكبير، فتقاليد زفّ العروس المرتبطة بفنون أحواش وأحيدوس فرضت على القبائل الولاء لطقوس لباسية متميّزة في تأهيل العروس لعادة “تانكَيفت”، ويكاد اللحاف البيض والخمار الأحمر الذي تعلوه باقة من الزهور والآس سائدا في معظم القبائل مع اختلافات طفيفة….

 

أدرار الثقافي أقلام حرة